المشاركات

الرجل الثاني على اليمين

قابلته في مكان راق. بهو فندق من تلك التي تتباهى بعدد نجومها. كان يدخن سيجارة بنية اللون -بطعم الشيكولاتة- ولم أنسها لأن دخانها مقزز. يضحك بشيء غريب من التفاخر والكبر. يأتي له رجل يخبره شيئاً فيميل ناحيته بأذنه على طريقة كبار الرجال. يجعلك تتذكر العراب فيتو كورليوني وهو يميل ليهمس أحدهم له شيئاً. أو بوش حينما يعلمه المبعوث بأمر البرجين. أراقبه بحذر وأنا أقترب منه. يضع عطراً فاخراً لا أظن أن سعره أقل من مرتب شهري لموظف.  علمت أو ظننت أن ذاك رجليّ المنشود. صحيح وجهه مختلف عن صور الجرائد، لكن أولئك يشبهون بعضهم كلهم، وأنا  لي عنده مظلمة ويجب أن يعلمها. تحسست جيبي الخالي من النقود بعد الثروة الصغيرة التي أخذها مني الحارس ليجعلني أدخل الفندق في هذه اللحظة بالذات. وهذه اللحظة بالذات كانت لحظة مرور وزير الصحة على المدينة وبقائه فيها ليلة في هذا الفندق. وإذن هي أمي التي قطعوا عنها تأمينها الصحي دون أسباب واضحة، وهو أنا أحاول رفع شكواي لوزير الصحة شخصياً عله يسمع. وهو وزير الصحة أمامي يتباهى ويضحك بهستيرية. عجب عجب!  أقترب منه وأنا أهندم بذلتي الرسمية التي أجّرتها لكيلا يظنوا بي ال...

لستُ مزيفة

  ملحوظة: قد لا تناسب الكلمات التالية ضعاف القلوب والأطفال. هذه قصة تابعت أحداثها يوماً ما وهزت كياني. لا أعلم من الكاتبة ولا أعلم إن كانت قصة حقيقية أم لا لكني أعلم أن سنوات طويلة مرت عليها ورغم هذا لا أنساها، صحيح قد لا أتذكر تفاصيلها بالضبط لكني أتذكر ما تدور حوله. وقرأتها على قسم مريب من أحد أقسام موقع reddit. وكنت حينها مولعاً بمواقع الرعب الأجنبية المشهورة إياها أمثال creepypasta وأقسام رعب reddit و4chan إلخ... أي حدث هذا في ذات فترة كنت أهتم فيها جداً بتلك القصص، وبالرعب عموماً.  القصة كانت مرفقة بصورة، وأذكر أن الصورة هي التي جذبتني لقراءتها، وكانت لإصبع بشري موضوع على طاولة ومصور بكاميرا هاتف. امرأة تحكي فتقول إنها وأثناء إعلان خطبة شخص ما كانت تحبه من فتاة ما كانت تكرهها، أرسلت له تحذيراً بأن يبتعد عنها. تقول ظنها مزحة فأرسلت ثانياً وثالثاً ولم يجب أو يستجب، والآن هذا مصير من لا يستمع للتحذيرات. وأنتهى ما لنقل إنه -منشورها- الأول. برسالة أن هذا إصبع الرجل إياه وقد قتلته. بالطبع، الأشخاص في هذه المواقع متشككين في كل كلمة يكتبها أي شخص ويدعي أنها حقيقية، ذاك أن أشياء ك...

دعنا على الحافة

صورة
  لا شيء يتغير. يعلمان هذا. التاريخ يغير الأثواب وجسده كما هو. لا يشيب ولا يصغر. الألوان باهتة، لكن الحكاية واحدة. الأصوات بعيدة، لكنها تدندن بذات اللحن. الجراح غائرة، لكنها تفيض بذات القيح. يسأل هداية بعد أن ارتكنا إلى الشاطئ الفارغ: - أكنا هنا ذات يوم؟ تقول وقد لمع جبينها تحت ضوء القمر: - لو لم نكن فهانحن ذا. - تؤمنين بالقدر؟ - ولا شيء سواه. - القدر ساقني إلى حبك. - وساقني إلى أماكن أخرى. أتعرف الرابط؟ إنه العبث!  يزفر بضيق: - شيء لا أتحمله. لا ترد. يواصل محاولة حثها على الكلام، على الإدلاء بما يثور بداخلها من مشاعر: - السؤال، الأعجوبة والأحجية، كيف تقبلين بي في السرير، ولا تقبلين بي في منزلنا سوياً! تقبلين العبور وترفضين الحب!  تسأله دون أن تحرك عينيها نحوه: - وأنت حبيب؟ - أحسب نفسي ذلك! رجل قضيتِ معه طفولة ومراهقة ونضج! كيف لا يعشق كل جزء منكِ وقد بات في مساكن حبك حتى ثمل ومات وأُعيد أحياؤه!  تنظر للأعلى وتقول: - القمر جميل من بعيد.  يقبض على حفنة من الرمال بقوة، وكأنما يعاقب الرمال على غضبه. هداية عابثة. هداية مجنونة! - الثأر من العجز، ذاك ما أحلم به حقاً!...

عنبة

ملحوظة: هذه القصة لا تمت للواقع بصلة.  عنبة شاب عشريني. له كشك مشروبات ساخنة في موقف سيارات، والاسم اسم فقط لأنه لا يقدم سوى الشاي ونادراً القهوة. عنبة له ماض وتاريخ لا يحب تذكره، لكنه يعيش فقط. لا أحد يعرف قصته وهو كتوم بكل حال. ويكره النساء حتى ظنه الظانون مثلياً. عنبة وعي على الدنيا في الشارع. لا يعرف من أنجبه ولماذا. حوله أناس يتكلمون ويذهبون ويجيئون في سيارات. يشعر بألم في بطنه فيعرف أنه يجب أن يأكل. وهكذا يتعلم أول شيء في هذه الدنيا. هو يجب أن يأكل ليعيش. هكذا يمضي ليستجدي الناس طعاماً أو ما يجلبه. وكان ابن خمسة أعوام حينها وينام في الشارع. بعدها يتعلم الكثير من الأشياء. منها أنه من الأشرف والأفضل له العمل بنفسه وعدم مد اليد للغير وهذه تعلمها وحده. هكذا يمضي عنبة إلى السعي فيعمل وهو في السادسة في مقهى رجل عجوز. عنبة حيوي هزال ويحبه الناس. ضعيف الشخصية لكنه تعلم أن يكون قويها من الظروف حوله. يكاد يموت عدة مرات وأصابعه مليئة بجروح إثر المشاجرات. يكبر في المقهى حتى يصير في الخامسة عشرة. لا يكتب لا يقرأ لكنه حلو اللسان. عليه أعين كثيرة لكنه لا يبالي.  ذات يوم تناديه امرأة ال...

الأسود في الأبيض

صورة
  في رائعته، دعاء الكروان، يقول طه حسين على لسان بطلته آمنة "إني لأخشى إن انجابت عنا هذه الظلمة وغمرنا الضوء، أن يكره كل واحد منا النظر في وجه صاحبه" أي أن الحقيقة لن تعجبنا. ولقد سمعنا كثيراً مقال أن القمر جميل من بعيد، وأن كل شيء جميل لطالما لم نتعمق به. وهو كلام سليم بالطبع، عدا أنه يحتاج لمزيد من التفصيل. مثلاً أن لدينا نحن الناضجين قدرة على تحويل كل ما هو سيئ إلى جيد. هكذا تجد منا من يحبون القهوة المرة ويحبون الاستحمام بمياه باردة ويحبون الأكل الحار الذي يؤلم الفم إلخ.... المقصد هو أنه ربما يجب أن نتعمق بالشيء الجميل حتى نكتشف شيئاً فيه نحبه أكثر. ربما يجب أن نقترب أكثر من القمر حتى نكتشف أن حفره القبيحة في الواقع شكلها جميل. كلام فارغ؟ ربما. لكن الأكيد هو أنك لا يجب أبداً أن تخاف الاقتراب من الحقيقة أو من الشيء الجميل بمدعاة أنك إذا اقتربت فلن تجد ما يرضيك، فما ذاك إلا هروب وخوف قد يجلبان ندماً أو قد لا يجلبان ما تستحق رؤيته ومعرفته.

نبوءة الذئب ج2

صورة
  جثا الطبيب الأخصائي يفحص بطن عزة الصغيرة. كان ذاك مروره الأسبوعي الصباحي على المشفى. أثارت علامات العضة شيئاً في نفسه. ذكرى قديمة أراد أن ينساها. يقف عن الطفلة ويسأل الطبيب المسؤول عن حالتها : - أهلها بالخارج؟ - نعم. يتحرك الأخصائي خارجاً من قاعة العناية. يتبعه الطبيب فيشير لهاني وسيد أن يحضرا، حتى فعلا سألهما الأخصائي : - والد عزة أعتقد؟ يهز هاني رأسه : - نعم . - لدي سؤال غريب لك.. هل رسمت عزة أي شيء قبل إغمائتها؟

نبوءة الذئب ج1

صورة
لم ي كن هاني الشهير بهاني "فتلة" من ال مؤمنين بحرية الرأي واختلاف وجهات النظر. لما أخبرته ابنته الجامعية أنها تريد الخروج في رحلة لجبل كاترين مع زميلاتها وزملائها ضحك ولم يرد عليها، وتالي يوم كان يمشي في الشارع بملفها المسحوب من الجامعة، وحين بكت أخبرها أنها لبيتها وزوجها فقط وأنه ملعون العلم وطالب العلم. يوم ولادته ماتت أمه وكان ذلك أول خدش له من أظافر الدنيا. ميكانيكي سيارات نحيل أصلع. يبصق كثيراً ويشرب الشاي بمعدل خمس أكواب يومياً. يزاوج شوقية حب عمره القديم الذي لم يتحول للعنة كما يحدث دائماً. عاشا قدراً جميلاً من الحب في شبابهما، ثم ها هي ذي حرارة الأيام تذيب ما بينهما وكأنما لم يكن يوماً. يدركان بعد أول طفل أنه لم هناك مكان للحب. ينظران فوقهما فيجدان الثقيل من الأحمال ينتظرهما ليرفعاه. أفواه تنتظر الطعام وعقول تنتظر العلام. الحب مع كل ذلك يبدو رفاهية أو أنانية. هكذا يتبدل الحال بينهما. من حب وشبق إلى احترام متبادل. هو يراها عامود البيت وهي تراه سقف البيت. يعطيها مكانتها وتعطيه مكانته. ويتفقان على شيء بسيط. لا مكان للقبلات بين العامود والسقف.

حوار مع عم صابر ج2

صورة
أقرأ الجزء الأول من هنا   كنا قد وصلنا في نهاية الجزء الأول إلى نيتي لمقابلة ابن عم صابر لأسأله المزيد عن اللغز الحي، عم صابر. الحق لم تواتني الفرصة ونسيت أو تناسيت الأمر. قلت في سري ما لك ومال الناس! رجل يقرأ، أكثير على البسطاء أن يقرأوا! وبدأ داخلي صراع نفسي مبهر. واحد طيب يقول انس الأمر وعش حياتك، والآخر يقول والله لأعرفن أكثر! انتصر الطيب في النهاية وظننت أن هذه هي نهاية الحكاية. لكني وذات ليلة عودة وجدت ظلاً غير ظل عم صابر يقف على عربته. وذهبت له وهالني الشبه الكبير بينه وبين عم صابر. وحتمت أنه ابنه لكني رغم ذلك سألت عن عم صابر على سبيل اجترار الحديث. قال ابنه وقلت صحيح تشبهه جداً. كانت العقول متقاربة. ورأيت فيه مراهقاً فطناً يعرف أكثر من المعتاد لسنه، وتلك طبعاً اسمها مكاسب القراءة. أخبرني ليلتها أن عم صابر مريض وأنه يحل محله. وداخلي رأيت ما يشبه السيناريو المخيف. عم صابر جديد في الصنع! ف النهاية تركته بعد أن ابتعت من عنده عشائي. في الليالي التالية تكرر ظهوره وظهر بيننا خيط صداقة رفيع. وعلمت بعدها منه أن عم صابر لم يعد مريضاً لكنة عهد لابنه بالعربة وهو في إجازة -يستجم- فيها. ...

من أين أتى هؤلاء؟

صورة
من القصص الملهمة في الحياة قصة الطيب صالح. الأديب السوداني الذي عُرف برواية موسم الهجرة إلى الشمال. الحديث عن رجل خرج من دنيا الشيء إلى دنيا عكسه. غزوة للبلاد البيضاء من محارب الجنوب الحار. له مقال شهير هاجم فيه الحكومة السودانية قبل ثلاثة عقود تقريباً، وعُرف عنوانه بتساؤل جاء في النص نفسه، تساؤل "من أين أتى هؤلاء؟"  قبلها كانت مؤلفاته من المحرمات للنظام، واليوم قد رحل النظام ورحل قبله الطيب صالح، لكن الكلمات التي كتبها آنذاك تصلح تماماً لما يحدث اليوم في السودان. الدم هو أغلى الأشياء، وما بعده تأتي كل الأشياء. لا أحب السياسة أبداً، لكني أبتغي الكلام حين أرى الموت الظالم في أي مكان، فما البال والمكان أرض الأشقاء! وعلى كل فقد نفذ مني كل الكلام مع علمي بقصف مستشفيات السودان. ذلك فعل الأعداء مع الأعداء، بل فعل الأخساء مع الأخساء، وليس فعل أبناء الدم واللون والنيل الواحد مع بعضهم. أما هذه فدعوة للأمل، فمثلما ألهمتنا قصة الطيب صالح، نأمل أن تلهمنا قصة هذا السودان بالخروج من الظلمة للنور. وأختم كلامي بسؤال جاء في المقال وعلق بعقلي، من الذي يبني لك المستقبل يا هداك الله وأنت تذبح ال...

في القلب

صورة
  في ذكراه، كانت لا تموت. ينام ويصحو ويرى أحلاماً ويعيش أياماً، يرى وجوهاً فيحفظها وينسى أخرى، خريفه وربيعه وفصوله تتعاقب. الخلق في البحر وهو يغرق. تمر السفينة هائلة وتتركه. ركوب لها هو حلمه. أن يصل لأرض الندى مبتغاه، لكن أرض الندى بعيدة والوصول عسير. أما العاصفة فتعوي والغمام لا يبشر برحيل قريب. هو حينئذ يتذكرها تقيم في جوف الليل داعية، ويسمع حروفها باسمه. الخير كل الخير منها. لو تطول فتقطع من بدنها لتحييه لفعلت، ويبكي فيقول والله لفعلت! ثم هو يهدأ ويستكين، ويقول يا رب الدعوة احفظها، فإن كان نصيبي من الموت حقاً مكتوباً في ساعتي تلك، فإنك تعلم أن موتي موتها وأن مالها من غيري، وإن لم أكن عبدك الصالح في دنياي هذه، فسخر لها من عبادك الصالحين ألفاً. أيا رب الدعوة احفظها.  وتظلم دنياه ويغيب عنها، ويسلم للموت ويرضى، ثم هو يفيق على جزيرة فيدور بها ويرى طفلاً فيسأله بجزع في أي أرض أنا، ويجيبه الطفل وقد كبر وصار فتياً، أنت في أرض الندى، وهو حينذاك يرى بيته من بعيد فيفرح، فيترك الصبي الذي كبر شاباً ويركض ويصيح ها قد أتيت يا أماه! ها قد أتيت يا من في القلب!

أن تكون جوبلز

صورة
  الإعلام . كلمة قد تبدو عادية هادئة، لكنها أكبر من مجرد حروف متراصة. أكبر من أداة وأكبر من منظومة وأكبر من تأثير وأكبر من نشر الخبر إلى الناس.  تنظر حولك هذه الأيام وترى ناساً يصرخون بحماس على الشاشات أن ذاك طيب وذاك شرير. يحاولون نصرة شيء قد تراه وقد لا تراه. يلبسون البذلات ويتأنقون ثم يظهرون أمام الآلاف. يقولون كلمة فيكذبها ألف ويصدقها ثلاثة آلاف. هذا بالضبط ما يعنيه أن تكون إعلامياً في هذا العصر.  ثم لا حديث عن الإعلام بدون الحديث عنه، يوزف جوبِلز، بول جوزيف جوبلز، يوسف جوبلز، سمه ما تشاء. بطلنا هنا هو الراعي الرسمي لغسيل الدماغ الذي حدث لأعداد كبيرة من الشعب الألماني إبان فترة الحكم النازي. الحديث هنا عن وزير الدعاية و الإعلام -البروباجاندا- لهتلر. الحق؟ لا كلمات تصف ما فعله الرجل، لكن تخيل إقناعك لشعب أن الدم والدخان والبارود من ضروريات الحياة الكريمة لهم. أن تقنعهم أنهم الجنس الأسمى وأي جنس غيرهم يستحق الموت والإبادة. تخيل أن يكون عدوك الأول هو الرجل المثقف لأنك لن تتمكن من غسل دماغه. أن تكون صانع أسباب الحب وصانع أسباب الكره. أن تكون صانع القرار داخل العقل والفكر....

حوار مع عم صابر ج1

صورة
اسمه عم صابر. نحيل الجسد بارز العروق. لما رأيته أول مرة حسبته يتخطى العقد الخامس، وفيما بعد عرفت أنه أصغر مما ظننت، لكنه يظل كهلاً في كل الأحوال. يملك عربة فول على ناصبة حارة أمر بها كل يوم في طريق عودتي من العمل، وكنت كلما مررت به وكان متفرغاً وجدته جالساً يقرأ في كتاب ما. وتمر أياماً وأعتاد ما أرى منه فألقي السلام عليه وأمضي، ثم لا أعرف ما أسميه بغير الفضول يقتادني لأقترب من الرجل وأعرف ما يقرأ، وفعلت وإذ به يقرأ الليالي البيضاء لدُستويفسكي. عم صابر؟ الرجل الذي يشرب سجائر كليوباتر -فرط- ويبصق على السيارات، ويبول على جوانب الطرقات، يقرأ لعميد الأدب الروسي؟ ذهلت وهلة وظللت طوال طريق العودة أفكر في الأمر، حتى إذا وصلت نسيت أمره. دورة أخرى للأيام وأجدني مضطراً لشراء عشائي منه ذات ليلة تكاد تنتهي، فأذهب له وإذ به يضع كتاب أفيون الشعوب للعقاد على الرف، وأراه مهترئاً ممتلئاً بالبقع تلوثه الزيوت والأتربة. وكنت أعرف الكتاب وأعرف أن منهجه ليس سهلاً -على الأقل بالنسبة لي- وأقصد هنا أنه يتكلم في أمور فكرية معقدة مثل الماركسية وقوة الأيدي العاملة والوجودية وما إلى ذلك. هنا ولن أكذب انفجر شي بداخل...

السماء لا تعرفني

صورة
السماء لا تعرفني. أتذكر تلك الكلمات جيداً، يتردد صداها في ذكرياتي كلما نسيت، وكيف أنسى إذن! هل كان ديسمبر؟ ربما. إني أسمعها، أصوات بعيدة تهمس في أذني "ما كان عليك تركها"  عميقة مثل جُب بئر، بعيدة مثل الغمام في السماء، يتردد صداها في البئر، وتمر مبتعدة كما السحاب. تفيض البئر وترعد السماء. يثور كياني ولا أجيب.  لا أحد يعرف قصتي. لا أحد يعرف قصة الحطاب الوحيد ساكن الكوخ في الغابة. هي؟ رأيتها بين الأشجار والثلوج فحسبتها شبحاً. تطالعني فأطالعها. أول لقاء بين الحطاب وبين الشابة الغامضة التائهة.  صامتة تحمل هموم العالم فوق كتفيها. تحدق في سرمد أبدي. يظن المرء أنها تبحث عن معنى الوجدان هناك في تلك الظلمة البعيدة.  يسألني قلبي عن سر شغفي بشبيهة التماثيل التي تجلس قبالتي على الطاولة. السكون في تصرفاتها أقول، الوهج المنطفيء في عميق عينيها. برودة يدها ونعومتها، تلك اليد التي وجدت منزلاً في يدي تستغيث بدفئه ولا تمانع خشونته. طوّقت أصابعها سبابتي كما يفعل الطفل الصغير فأتاها منزل يدي الأخرى ليعم الدفء في أرضها الناعمة.  حزينة كانت. متألمة بدت. ليلتها وهبتها سريري ونمت أرضاً، ...

ارضَ عنا يا مولانا

صورة
يقول عميد الأدب العربي طه حسين، ويل لطالب العلم إن رضي عن نفسه. وأجد نفسي بين متفق ومعارض.  المسألة ليست مسألة عدم الرضا العام عن النفس، ليست مسألة جشع وتوق للمزيد من منير العقول، العلم، وليست أن تكون كالبحر، تبتلع كل ما يسقط بداخلك ولا تشبع أبداً لأنك تعرف أنه ثمة مزيد، الرجل هنا يتحدث عن نقد النفس وتهذيبها. نقد في كل لحظة وكل حين.  ثم هناك ذلك المثل الذي أؤمن به والذي يقول، الشيء إذا زاد عن حده انقلب لضده، وتسأل نفسك، أين الضر في أن ينقد طالب العلم نفسه دائمأً؟ الحقيقة أنه قد لا يوجد. لكني أعلم أن الكائنات الحية حساسة، تقودها المشاعر والغريزة، ولأن الله اصطفانا بالعقل، فنحن من نقود مشاعرنا وغرائزنا بعقولنا، والنقد لا يكون إلا بالعقل، غير أنّا مثل كل شيء في هذا الكون لنا حدود، ولنا قدرات تحمل معينة تختلف من روح لأخرى، والروح التي تنقد نفسها دائماً، وتدفع نفسها للمزيد دائماً، ليست مثل الروح التي ترضى عن نفسها بين حين وحين. الأولى عقلها جعل نفسها معقدة تسعى الكمال، والثانية عقلها يروض نفسها فتسعى ما تبتغيه. الأولى تؤدي بغير راحة وبخوف واضطراب، والثانية تؤدي براحة لكن بحذر وعناي...

مرتين في الأسبوع

صورة
  منذ زمن لا بأس به، رأيت في أحد مواقع التواصل مشكلة لأحدهم، يقول ابني الصغير يكتب أشياءً غريبة لا أفهمها، ولم أهتم كثيراً لأنه كان لا يزال يتعلم الكتابة.  أما أنا فتابعت قصة هذا الرجل باهتمام لأننا لا نرى مشاكل غريبة للأطفال إلا وكان وراءها سر أو شيء كبير، وهذا فضولي قادني. يقول الرجل إن الأمر عند مرحلة ما بدأ يأخذ منحنى مقلق، والملخص أن الطفل ليس بخير. ثم في يوم وجد قصاصة مكتوب فيها جملة كاملة، لكنها أيضاً غير مفهومة. هو يراها حروف متصلة وفراغات ولكن لا يعرف معناها. ثم بعد تدقيق أدرك أن الجملة مكتوبة عكساً. فوقف أمام المرآة مع القصاصة ليجد أن ما كتب بها "مرتين في الأسبوع" ولما سأل الطفل إن كان قد كتب ما بالقصاصة أجاب ببراءة الأطفال أن نعم كتبها، وبدا أنه لا يدرك ما فعل حتى لما رأى القصاصة.  الآن يا سادة لا أعلم عنكم، لكن شيئاً ما في كلام الرجل جعلني أرتجف. قلت إما أن الرجل يكذب وهذه حبكة فيلم رعب نفسي لذيذ، وإما أن فصيلاً من العفاريت يجلسون ويضحكون على المقلب الذي أداروه بالرجل. وسرحت بخيالي وأنا أفكر في حل هذه المعضلة. قلت ما "مرتين في الأسبوع" هذه؟ هل من الطبيعي...