المشاركات

كل الأيام على ذات الطريق

صورة
   في يوم ما، كان بينهما ود لا ينقطع، كلمات وأشعار دون حبر. في تاريخهما تخمة أحاسيس جميلة، وفي ذاكرتهما يومان لا ينسيان، يوم التقيا أول مرة، ويوم رحلا آخر مرة. كان رجل كلمة، وكانت هي فتاة غير عادية. أحب هو الأشعار ولم تر هي فيها غير الظاهر والحروف، فإذا غاص هو داخلها، لم تره هي محقاً في ذلك، بل متظاهراً، وظلت تظن هذا حتى يوم فراقهما الأخير. كان الحب بينهما نادراً، ليس من النوع المليء بالمشاعر القوية الجرافة، بل من النوع الذي تمحو أفعاله كلماته، فقسوة منه عليها بكلمة، وغصة نفس منها على تلك الكلمة، تذهبان بعناق أو بسمة أو وردة، وليس بكلمة مثل ما أتتا.  كان يوم فراقهما حزيناً مشمساً، وصفعته هي بلسانها، فأحس بحرقة وحرارة داخله تفوق حرارة شمس يونيو المهيبة فوق رأسهما، أما هي فباردة كالثلج وهي ترص الكلمات رصاً كما الإنسان الآلي، وقد ظل يظن أنه لا بد من تدربها على ما قالته ذلك اليوم، فقد احتار في أمرها، فمرات ومرات ومرات أعاد السؤال داخله: كيف لها أن تخبره بكل بساطة أنها ستسافر إلى إنجلترا لبعثة طبية! كيف لها أن تخبره ذاك بكل سكون وهدوء العالم! وكأن الذي يحدث ليس عبثاً! ليس حقيق...

رماديات

صورة
 يقول صديقي وهو ينفث دخان سيجارته: "لا أعتقد أني أحب التفاؤل كثيراً، لكنني في ذات الوقت أكره التشاؤم"  كنا نمشي قبالة فرع من فروع نهر النيل، فأراه يرمي بفارغ علبة السجائر إلي المياه، ليزيد القمامة قمامة، ثم يقول: "في الحياة، لا أرى أبيض ولا أرى أسود، أرى فقط الرمادي، والأمر لا يقتصر على أشياء معينة، بل يمتد لكل شيء أراه وأفكر به" أسأله غير مبال: "مثل ماذا؟"  فيشير بيده لفتاة ترتدي من الملابس الضيقة ما يرسم قوامها المثير: "إذا رأيتَ هذه الفتاة وفكرت فقط في أنها مثيرة، فأنا أفكر في أنها مثيرة ولكن أفكر أيضاً أنها من الداخل ليست مثل الخارج" أسأله بتعجب: "وكيف تعرف؟" فيقول ضاحكاً: "ثق في، أنا أعرف"  أطالعه ولا أُطلعه على ما ببالي: "ماذا بعد أن تعرف؟ ما الذي يتغير فيك؟ لا زلت تراها مثيرة"  يصمت لوهلة قبل أن يرد: "أصير لا أرى فيها ما يجذب، وأنتم ترون القوام وتصفرون إعجاباً، وأنا لا أرى شيئاً يستحق الإعجاب بها، ولا أنظر لها بعين الإعجاب إنما بعين التحفظ" "سأعتبر أني أصدقك، ماذا ترى في باقي الأشياء أيضاً؟...

التواء حول التواء

صورة
  أسأل السؤال لنفسي بين الحين والحين: ما هي النسوية فعلاً؟ هي كلمة في النهاية، لكن المعاني كثيرة. صرت أسأل هذا السؤال لبعض من أعرفهم، ووجدت إجابات مختلفة، ثم اكتشفت أن الموضوع عبارة عن مستويات، من الأقل تطرفاً والأخفض صوتاً، إلى الأكثر تطرفاً والأعلى صراخاً. أكثر شيء كان الاتفاق عليه، أن النسوية هي دعوة للانفتاح، أن المرأة قادرة على القيام بمهام الرجل، وفي الحقيقة، المرأة تستطيع القيام بما هو أكثر من مهام الرجل، وهن أفضل من الرجال نفسياً في أمور كثيرة، وعلى سبيل المثال لا الحصر، حاملات الجبال، الأمهات. قادرات وانتهى الأمر، لكن المستوى التالي يأخذ الرغبة أعلى، ويقلن: المرأة يمكنها مجاراة الرجل في الأعمال العضلية. حتى هنا، يمكن الجدال قليلاً، وأنا لست هنا لأدافع عن شيء أو أهاجم شيء، ولكن ثمة قواعد جيدة يمكن الحديث عنها، مثلاً فكرة الهرمون -الذكوري- الذي يزيد من عملية البناء العضلية إلخ إلخ... كلام علمي بحت، لا جديد يُذكر.  المرحلة التالية مذهلة، يقلن: المرأة يمكنها أن تكون ما تريده، وليس هذا فقط، بل أي شخص يمكنه أن يكون امرأة، سياسة المساواة -العرقجنسية- تلك. لنعش جميعاً في عالم...

الزوج الأزرق

صورة

أبو علامة - الجزء الثاني

صورة
  وقف أمامي يطالعني بشيء من الحسرة، وشعرت أنه حزين عليّ وغاضب مني. لم يكن ذاك سوى مدير المشفى الذي أعمل به يقول وهو ينظر لساقي المعلقة أمامه: - كدت أخصم منك أسبوعاً لانقطاعك عن العمل. - لكن قلبك طيب وأنت تحبني. - لكن عفاف شرحت لي الوضع. أصررتُ على زيارتك بنفسي وإعطائك ورقة الإجازة المرضية لتوقعها بنفسك. يقولها ثم يمد يده لي بورقة رسمية من المشفى، مع قلم حبر. أوقع الورقة وأنا أسأله: - أين هي عفاف؟ فيجاوبني: - في نوبتها. ويجلس جانبي على السرير قائلاً بصوت خفيض: - ماذا حدث يا أشرف؟ تقرير الأشعة يقول إنك تعرضت لضربة بأداة في ساقك! - وقعت من مكان مرتفع وارتطمت ساقي بكتلة إسمنتية، هذا هو ما حدث. - وهذا ما قالته لي عفاف أيضاً، وهو ما لا أصدقه. هل رأيتها؟ أمتأكد أنت أنها عفاف التي نعرف؟ - ماذا تعني؟ - أعني أن ثمة ما حدث في تلك الرحلة لكنكما لا تخبرانا به. - أعني.. هذا من حقك طبعاً أن تعترض على تفسيرنا، لكنك لم تكن معنا لذا... يقف قائلاً: - نعم أعرف، لكن كفاءة عفاف تأثرت وأراهن أنك كفاءتك أيضاً ستقل. وهنا دخل أبي يحمل بعضاً من المقبلات واجب استقبال المدير، إلا أن الأخير شكرنا مؤكداً على ضرو...

أبو علامة - الجزء الأول

صورة
  عقولنا خطيرة للغاية، يمكنها أن تجبرنا على الحياة في الجحيم، ويمكنها أن تعطينا أسئلة دون أجوبة، يمكنها ويمكنها. أن نرى الوهم ونصدقه؟ كله بسبب عقولنا. إنها تتحكم بنا! وإني أخاف عقلي، إذ أعتقد أني رأيت الوهم وصدقته بسبب عقلي. أول وهم صدقته، هو أني بصفتي طبيب يمكن أصبح شيئاً، يمكن أن أصير مجدي يعقوب القادم، يوماً ما سأكتشف تلك البكتيريا التي تهاجم خلايا السرطان وتوقف تفشيه في الجسد، وسيسمون البكتيريا على اسمي. حلم غير واقعي، أو كذبة وقحة، ويفوت الأوان على إدراك أن الأحلام كلها غير واقعية، لهذا تظل أحلاماً.  المعادلة سخيفة، وواضحة في ذات الوقت. المميز يكون مميزاً منذ البداية، تتناثر العلامات من حوله على أنه سيصبح مميزاً يوماً ما في المستقبل، أما العاديون، مثلي، ومثل الأكثرية العظمى من البشر، لم يولدوا من أجل يصبحوا مميزين، يمكنهم فقط أن يحلموا، وأن يحاولوا. حينما أجادل بهذا مع الأصدقاء يقولون إن رؤيتي للعالم أصبحت سخيفة، ولا أوافقهم.   مع طرقي لباب الثلاثينات بخوف، أدركت أن الأوان قد فات على الحلم، أو المحاولة حتى. طبيب الأعصاب الأعزب الانطوائي المثير للريبة، أرى النظرات وأس...

انتهى الدرس

صورة
بين الحين والحين أحاول نشر قصة أو خواطر عادية ولا أجعل المدونة مرتعاً للعناتي على أولئك بسبب ما يحدث الآن، لكنني وبصراحتي الفجة أشعر بالحرج في أن أتكلم في شيء غير الذي يحدث الآن. أعلم أن عجلة الحياة يجب أن تسير ولا يجب أن نوقف حياتنا كلها بسبب هذا، لكن المرعب أننا نألف الأمر ولم يعد أحد يتكلم. ولأني صرت أقرف من كتابة اسمهم، ولأن قلمي فقد حتى قدرة الكتابة المعقولة، فإذا كتبت سأسب سباباً لا يليق بي لكنه بكل تأكيد يليق بهم، قررت أن أجلب أحدهم من الماضي ليتكلم عوضاً عني. هذه مقالة كُتبت قبل عقد وثلث تقريباً، للراحل العظيم -رحمه الله- د. أحمد خالد توفيق. تذكرتها اليوم وما أشبه اليوم بالبارحة، فعلى ما يبدو، موضوع الأطفال هذا هواية محببة لهم منذ زمن. ذكرى بحر البقر. سأحكي لك يا مريم قصة كالتي حكيتها أمس.. في سنك تحلو القصص و التحليق بجناحين شفافين في أنسام الخيال، ولست أنسي لمعة عينيك السوداوين الجميلتين وأنفاسك المتلاحقة وأنا أحكي لك عن سندريلا عندما اقتربت عقارب الساعة من الثانية عشرة فراحت تركض كالملسوعة هاربة من الحفل. كنت خائفة مذعورة، وبرغم أنني أكدت لك أن نهاية القصة سعيدة؛ فإن النهايا...