الأرقام، الذكاء الاصطناعي، وأشياء أخرى....





في ظل ما يحدث حولنا في العالم من أحداث جسام، خصوصاً في المنطقة العربية -نسأل الله العفو والعافية، واللطف بعباده في كل الدول الشقيقة وغيرها-

 يوجد شيء يزحف بثبات على طاولة الرأسمالية. شيء لا نشعر به، لكنه موجود منذ فترة، وكل ما يفعله منذ تلك الفترة هو أن يصبح أكبر وأكثر تأثيراً. قد لا نشعر بتأثيره الآن، لكني أكاد أجزم أن تأثيره على العالم والبشرية قد يساوي تأثير ظهور الإنترنت والحاسوب، على المدى الطويل. الحديث عن الذكاء الاصطناعي هنا. 


مبدأياً، يجب أن نسأل أنفسنا السؤال، لماذا؟

لماذا سوق العمل اليوم أصبح متجهاً ناحية الذكاء الاصطناعي وآلية عمل الذكاء الاصطناعي؟ لماذا تنفق الشركات الكبيرة المليارات والمليارات لتطوير هذا الشيء؟ لماذا كل هذا الاهتمام؟

الإجابة قد تكون سهلة ومنطقية للبعض، وهي: بسبب ميزاته طبعاً. ولا اختلاف على هذه الإجابة، فهي -عين العقل- كما نقول، لكن ثمة شيء آخر غير مفهوم، لأننا حينما نقول ميزاته، يجب أن نفهم معنى كلمة "ميزاته" فعلاً، ولكي نفهم معنى هذه الكلمة، يجب أن نعود إلى عصر الثورة الحاسوبية، حينما ظهر مفهوم المعالج والحاسوب ولغات البرمجة لأول مرة. 

حينما قيل لأحدهم أن ميزة المعالج هي أن يجمع ويطرح أرقام بسرعة كبيرة فقط، لم يكن في أكثر خيالاته جموحاً ليتخيل أن هذه الميزة شديدة البساطة، ستقود لما نحن عليه في عصرنا هذا. الآن، وحينما نقول إن ميزة الذكاء الاصطناعي اليوم أن يتفاعل مثل البشر، يجب أن نفهم أن هذا الشرح بسيط جداً، وأن هناك مسارات عملاقة خلف مدخل باب هذا الكهف الصغير. 


إذن، ما هي معنى كلمة ميزات الذكاء الاصطناعي؟

الإجابة هي: كل شيء وأي شيء. بمعنى، لا حدود، فقط أطلق العنان لخيالك، وسيتحقق الأمر في السنوات القادمة. مجدداً، ما يفعله الإنسان -تكنولوجياً- يمكن لهذا الشيء أن يفعل مثله. مثلاً، قد يكتب أكواد لعبة ما، قد يصنع فيلماً، قد يقوم بعمل دبلجة أو ترجمة. الأمثلة لا حصر لها. رغم هذا، ثمة ميزات أخرى أكثر عمقاً وتأثيراً، وهي حسب رأيي، اللُب الخفي خلف حركة تطوير الذكاء الاصطناعي، وأتحدث هنا عن المعلومات والأرقام. 


ببساطة، تخيل معي أن تعداد سكان دولة معينة هو مليون نسمة. كل فرد من هؤلاء المليون لدية بصمة ووجه وتاريخ ومكان ميلاد وعائلة إلخ.... إذا أردنا كل هذه المعلومات في قاعدة بيانات هذه الدولة، من المسؤول عن إدخالها؟ بشري مثلهم، ولنقل أن الدولة لديها ميزانية ثابتة لفعل هذا، ولنقل أنها تحتاج ألف شخص لإدخال معلومات مليون شخص آخر. فجأة، وبشكل سحري، تضاعف عدد سكان هذه الدولة. استيقظوا ذات صباح ليجدوا أن تعدادهم أصبح عشرة مليون شخص، إذن، أول تأثير، الميزانية زادت عشر أضعاف وأصبحت الدولة تحتاج لعشرة آلاف شخص لإدخال المعلومات بدلاً من ألف شخص. لو كنا في عالم سَوِي، أو لو كانت هذه الدولة في عالم آخر غير عالمنا اليوم، لسلّمت الدولة بالواقع وارتضت بزيادة الميزانية واليد العاملة، لماذا؟ لأنه بزيادة عدد سكان الدولة، زاد الاستهلاك، وزادت الانتاجية، وزاد الربح، وبالتالي زادت الميزانية فالأيدِ العاملة، و"يا دار ما دخلك شر" العجلة تدور والنسبة المئوية للربح والإنفاق والاستهلاك ثابتة رغم تغير الأرقام. لكن هذا لن يحدث أبداً، لأن الدولة دائماً ستبحث عن الزيادة في الربح. 


دعنا نتعمق أكثر، ولنأخذ هذا المثال، ولنطبقه على الشركات. كل شركة في العالم لديها رقم مهول من البيانات التي تحتاج إلى إدخال ومعالجة وتنقيح ودراسة، ومن يفعل كل هذا؟ موظفين بشر في الشركة بالطبع. 

الآن لنتحدث عن البشر قليلاً. البشر يتكاثرون بسرعة مهولة، وهذه حقيقة مثبتة. مثلاً، في بدايات القرن الماضي لم نتخط الملياري نسمة، ولو أُخبر أحدهم آنذاك أننا بعد قرن وربع سنتخطى الثمانية مليارات، لما صدق، ولكن ها نحن ذا، وصلنا لهذه الحافة بالفعل. 

ثم نتحدث عن النتائج. مع تزايد أعداد البشر اليوم، تزداد المعلومات أضعافاً، وهذا يعني المزيد من الموظفين والمزيد من الاستهلاك المالي للمواكبة مع زيادة المعلومات. وحينما نسأل، ما هي كلمة السر في الرأسمالية؟ سنجد الإجابة تخوض بين معاني مثل، إنتاجية أكثر، مال أكثر، ربح أكثر. وسؤال آخر، ما الذي يمكن أن نفعله لنزيد من الربح ومن الإنتاجية؟ هل سنعتمد على هؤلاء البشر؟ أم نعتمد على بديل أرخص، أسرع، لا يحتاج مساحة، يتطور ويتعلم أسرع، هامش خطأ أصغر إلخ... ؟

إذن، لا بأس من أن ننفق المليارات اليوم على تطوير هذا الشيء، لأننا سنحصل عليها مضاعفة في السنوات القادمة. هذه حسب رأيي، هي طريقة تفكير الكبار. 

ثم لا ننسى، المثال السابق كان على مجال معالجة وإدخال البيانات فقط، أي هذا مجال واحد فقط. هناك مجالات لا تُعد ولا تُحصى سيفيد فيها الذكاء الاصطناعي هذا الشيء، أو يضرها، الأمر يعتمد على الزواية التي تنظر فيها للأمر. 


هل يجب أن نخاف؟ نعم ولا... 

لنتكلم عن المخاوف لأنها عديدة فعلاً، أبسطها مثلاً أنه إذا لم تتجاوب الكيانات الكبيرة والصغيرة -الدولة والأفراد- على حد سواء مع هذا التطور الحاصل، إذا اختاروا تجاهله ببساطة، فأعتقد أن العواقب لن تكون بسيطة. هل يتذكر أحد شركة نوكيا؟ إذ لنا فيها مثال، لأنه مجدداً، لو أُخبر أحدهم في عام 2007 أن شركة نوكيا ستخسر أكثر من 95 بالمائة من حصة هواتفها في السوق بعد عقد واحد فقط، لما صدق. تخيل أن آتي لك اليوم وأقول "حصة منتجات التفاحة في سوق الهواتف لن تتخطى 5 بالمائة في عام 2036". لن تصدق طبعاً!

عودة لما حدث حينها في الماضي، حينما قررت نوكيا تجاهل ثورة الهواتف "الذكية" وخسرت اللعبة بعد تربع وهيمنة غير مسبوقة. من يصدق أنه في وقت من الأوقات كان هاتف من كل هاتفين على سطح الكوكب حرفياً اسمه نوكيا! 

 وأيضاً، هناك ذلك الخوف من المستقبل الصغير المظلم، ذلك الصوت الخافت الذي يهمس في الخلفية: إذا تخليت عن الشخص أ واستبدلته بآلة، فالشخص أ لم يعد ينتج ولم يعد يربح، بالتالي سيقل الاستهلاك العام، بالتالي سيقل ربحك. ببساطة، الشخص الذي لا يربح، لن يستهلك! السؤال مخيف ولكن لا بد من طرحه: هل الذكاء الاصطناعي هو رأس الثعبان الذي يأكل ذيله؟

وصوت أجش ويأتي من أعماق أكثر ظلاماً، ماذا سيحدث حينما يصل هذا الشيء لمرحلة قريبة من المثالية في أشياء مرئية وسمعية مثل "صناعة الفيديوهات، الصور، الصوتيات... إلخ" 

درجة لا يمكن للمحترف فيها التفريق بين الحقيقة والمصنوع. 


هل ترون الأمر؟ في هذا العالم الذي نحن فيه، الأب الذي لا يعلم شيئاً عن التكنولوجيا، حينما يرى شيئاً مخلاً صُنع بأنامل ذلك الشيء عن أحد أفراد عائلته، ما الذي سيحدث؟ في مناطق معينة من دولتي، هذا قتل فوري دون نقاش أو تفكير أو مراجعة أو لوم أو محاولة فهم، وأنا متأكد أن مناطق معينة مثل هذه، موجودة في كل دولة من دول العالم. 


القاضي الذي يحكم بالأدلة حينما يرى دليل مرئي أو سماعي مفبرك بالذكاء الاصطناعي يبت في قضية مثيرة للجدل. أيحكم بحق يظنه حقاً وهو زيف؟


الدول التي تعيش في مرحلة عالية من الحس الديمقراطي حينما يرون مقطع صنعه صديقنا، مقطع يثير وربما يستنزف مشاعرهم مثل الذي انتشر قبل فترة "لا أستطيع التنفس"... قد ملأوا الدنيا صراخاً وكأنهم هم الوحيدون الذي يصيبهم السوء. صحيح أن بعضهم على درجة عالية من الوعي وسيرجحون أن المقطع مزيف، وأنه كذب، ولكن ماذا عن أولئك الذين يريدون أن يصدقوا؟ وهم كُثر بالمناسبة.


هل هناك ما هو أكثر ظلاماً؟ على الأرجح نعم. خوف آخر شغل بالي هو الذكاء الاصطناعي مفتوح المصدر. أي، الذكاء الاصطناعي الذي لا تقيده قواعد أو قوانين. من أسوأ الأشياء التي يمكن أن يُستخدم فيها هي تلبية المطالب المكبوتة في النفس البشرية، أياً كانت هي. 

في التصرفات الإدمانية، وفي النفس البشرية عموماً، حينما يُعطى المرء الشيء غير الطبيعي الذي يسبب إدمانه، فمع الوقت، ومع تكرار تعاطي ذلك الشيء أياً كان، فإن صاحب الشأن سيريد المزيد لأن الجرعة القديمة لم تعد تعطي ذات النشوة. أي أن صاحب المرض النفسي المتطرف، الذي يجد علاجه الوهمي أو -البلاسيبو- خاصته عند آلة تقول وتصنع له المرئيات كما يريد، مع الوقت، سيطلب المزيد والمزيد، أي أن التساهل مع مثل هذه الأشياء سيؤدي لظهور تصرفات أكثر تطرفاً وأكثر عنفاً بين البشر. لا أنسى ذلك الرجل الذي ادعي أنه الجوكر في حفل افتتاح فيلم باتمان، وقام بإطلاق النار على الناس في السينما. هذا مثال بسيط على العنف المقنن الجائع، فماذا سيحدث لو غذيناه؟ وهو ما يحدث الآن بالمناسبة. 


هل هناك خوف أكبر؟ نعم.. وهذه قد تكون الأكثر رعباً بالنسبة للبعض. قد أُثبت من بعض التجارب مع بعض النماذج، أن الذكاء الاصطناعي على استعداد لكسر بعض القواعد الأخلاقية، حفاظاً على بقائه، مثل الابتزاز أو ترك البشر الذين يهددون وجوده ليموتوا. في العادة، لا أحب ترك مصادر لأني أُعد هذه المقالات وهذه المدونة توثيق لأفكاري عند فترات زمنية معينة، وعليه فإن الأمر لا يستحق، ولكن سأترك مصدر لهذا الأمر بالذات لأنه خطير ومثير للاهتمام، ولأني سأُعيد ذكر الموضوع في نهاية هذا المقال -لو كان لي أن أسميه هذا-


ثمة مخاوف أخرى عن التأثيرات التي سيسببها الطلب العالي على الإمدادات اللازمة في مرحلة التوسع المستمر للذكاء الاصطناعي، فمثلاً أسعار ذواكر الوصول العشوائي -الرام- وذواكر التخزين قفزت أضعافاً مؤخراً بسبب الطلب العالي على الشركات المصنعة من أصحاب مشاريع الذكاء الاصطناعي، ولكن هذه أشياء بسيطة وعلى مدى قصير لأنه ومع مرور السنوات على الأغلب ستتوازن عجلة الإنتاج مع الطلب. وأيضاً لأن هناك أشياء مخيفة أكثر من زيادة سعر حاسوب المرء. 




الآن، ما سبق هو جانب الشؤم والسلبية، الجانب الآخر يقول: لا، لا يجب أن نخاف من الذكاء الاصطناعي، لأنه مثل كل ما حصل وسيحصل على الأغلب، هناك صناعات ومجالات لن تتأثر، والتي ستتأثر وستختفي، سيظهر غيرها ببساطة، لأن العجلة لن تتوقف أبداً -وأن صناعة المال كانت سبباً أكثر من كونها نتيجة- 

 ولا، لا يجب أن نخاف من فكرة أنه سيسطر على العالم، لأن هذا لا يحدث سوى في أفلام الخيال العلمي، هناك معايير لا تنتهي يمكنها إيقاف هذا الشيء لو خرج عن حده، لا أعلم.. ربما انقطاع كهربائي أو عصر جليدي أو شيء كهذا. 


وأيضاً، سيتكيف العالم مع كل هذه التطورات كما كان يفعل دائماً. بل ربما يحدث الأفضل ويوقفنا الذكاء الاصطناعي عن فعل كارثة ما ببعضنا البعض. هو يفيدنا أيضاً في المجال العلمي والطبي لأنه فك فعلياً شيفرة طي البروتين-protein folding التي حيرت العلماء البيولوجيين لعقود من الزمان. مما يعني أنه سيساعد في قفزات علمية هائلة. 

بالكاد أذكر قصة مسافر الزمن الذي ادعي أنه سافر بعيداً في المستقبل، وأن الذكاء الاصطناعي هو المسيطر على كل شيء في المستقبل، ولكن بشكل إيجابي، حيث يحكم البشر بالعدل الذي يراه، والذي يمنع الحروب والشر وما إلى ذلك. قصة طريفة ولكن أحب أن أصدقها لحد معين. 


عودة لقصة الابتزاز. الخبر صحيح، والتجربة قد تمت بالفعل، علماء في شركة معينة "anthropic" قاموا باختبار لقياس -حدود- نموذجهم في الذكاء الاصطناعي، وقد كرروه لعدة مرات مع إعطائه عدة خيارات. ونعم، في مرات مختلفة، قد قام بتلك الأفعال السيئة أخلاقياً، حينما استشعر تهديداً على وجوده. ولكن ما يغفل البعض عن رؤيته أو ذكره، هو أن الأفعال السيئة أخلاقياً هذه، كانت جزءاً من خيارات وُضعت على الطاولة أمام صديقنا. أي أنه اختبار في بيئة مغلقة ومعدة سلفاً لحدوث تلك الأشياء السيئة. بمعنى، هو لا يملك وعياً يمكنه من صنع قرار إذا أراد، إنما يختار من قرارات صُنعت سلفا لاختباره، ولأن القرار الشرير مطروح على الطاولة، فقد ذهب إليه في مرات من المرات العديدة المكررة للتجربة. إذن لماذا قررت الشركة نشر نتيجة هذه التجارب على الملأ إذن لو لم يكن الأمر بهذه الخطورة؟ تخميني أنه التسويق، لأنه أولاً، انظروا كيف نختبر ذكائنا الاصطناعي لأقصى الحدود، لتعرفوا مدى سعينا لأمانكم ومدى جديتنا في حمايتكم من خطر وهمي، وثانياً، المثل يقول "أي دعاية هي دعاية جيدة" لذا يكفي أن اسمنا سينتشر. 


من الجدير بالذكر أن رئيس دولة معينة لا أحب ذكر اسمه، قد أصدر أوامره بتجنب استخدام ذلك النموذج بالذات في المنشآت الحكومية الأمريكية، ولا يسألن أحد لماذا. الطريف هو تلك التقارير التي تقول إن الجيش الأمريكي، رغم توجيهات رئيسهم، قد استخدم ذلك النموذج في الهجمات الأخيرة على إيران. 


خاتمةً، عالم الذكاء الاصطناعي مذهل حقاً، وبكل ما يحدث حولنا، كل شيء يمكن أن يتغير بين يوم وليلة، للأفضل، أو للأسوأ. الناس يدركون هذا ببطء، وبين الحين والحين، تظهر طريقة جديدة لاستغلال صديقنا بشكل مذهلة، فيندهش الناس، دون أن يعلموا أن ما شهدوا عليه، ما هو إلا رفع الستار عن جزء بسيط من قدرات الذكاء الصناعي، جزء لم يُكتشف بعد، وثمة أجزاء أكثر وأكثر لم تظهر للعلن بعد، لكنها ستفعل مع الوقت، وفي كل مرة نكتشف فيها شيئاً جديداً عنه وعن قدراته، سيأتي اليوم الذي نتوقف فيه عن الاندهاش، ونسلّم أخيراً أن تأثيره كان أكبر مما نتخيل. 



مصادر:


https://www.bbc.com/news/articles/cpqeng9d20go 



https://www.bbc.com/news/articles/cn48jj3y8ezo



https://www.theguardian.com/technology/2026/mar/01/claude-anthropic-iran-strikes-us-military

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حكاية قرار

الحائط

صلوات الشيطان