حتى يكتمل الفن
الزمان: القرن الخامس عشر.
المكان: جنوب أوروبا.
كانت يد صغيرة، تلك التي تضرب بريشة رسم على قطعة قماش، مثبتة على لوح خشبي عتيق. حركات خفيفة للغاية ولكنها متناغمة. يد بيضاء ترقص على نغمات أغنية حزينة. رسام صغير يافع، يعرف ما يفعله. قليل حركة الجسد، انسيابي حركة الذراع. يتوقف فجأة، ثم يقول وجسده ثابت كالصنم:
- هل تخاف الموت.. آرما؟
أتاه الرد من زاوية الغرفة. العينان التي تراقبان في صمت وصبر:
- كل كائن حي يخاف الموت، هذا ليس سؤالاً.
- أنا لا أخافه.
يضحك آرما مزمجراً:
- أنت حالة خاصة، خاصة جداً، أنت مختلف يا رونوف.
يلتفت الصبي رونوف برأسه إلى محدثه:
- أحقاً تعتقد هذا؟
- أوه أنا أؤمن بهذا يا رونوف، أعرف هذا حقيقة.
- شكراً.
- متى ستنهي هذا الشيء بكل حال؟
أصدر الصبي همهمة خفيفة عم الصمت بعدها لثوان، قبل أن ينهيه قائلاً بنبرة لطيفة تتنافى مع ما قاله:
- اخرج.
تحرك الظل وخرج من الزاوية ليفتح الباب بهدوء ويفعل ما أملاه عليه الصبي.
..
- آرما.. أنا أخافه! أنا أخاف الصغير!
- إنه مجرد طفل، كل ما في الأمر هو أنه مميز بعض الشيء.
- الطعام! لم يأكل شيئاً منذ أسابيع! الأطباق التي أرسلتها له تعود كما هي، حتى المياه كما هي! أين يقضي حاجته ها؟! القبو نظيف ولا تصدر منه أي روائح وهو لم يخرج من هناك قط!
- عزيزتي، لا داعي لتهويل الأمور، هذه النوعية من البشر تعرفين، إنهم أنصاف آلهة، إنهم نتاج الحب بين الآلهة والبشر، يولدون بعقلية فذة ومهارات تفوق إدراك البشر.
حدقته امرأته بنظرة غاضبة، انعقد حاجباها ثم قالت وجسدها يرتجف انفعالاً:
- إله أو نصف إله، أخرج هذا اللقيط من بيتي!
اقترب آرما منها ثم ضمها بين ذراعيه وكأنه يحتوي غضبها بهما:
- حبيبتي، إنه وحيد، لا أهل له، هل نسيتِ حينما جلبته لكِ أول مرة؟ صبي مبلل يرتعد خوفاً، كان سيموت من البرد ومن الأمطار لو تركته.
ردت زوجته وقد قلت حدة صوتها:
- إنه يخيفني. أنا لا أطيق وجوده.
أزاح برقة خصلات شعرها الأصفر ثم قال بصوت هادئ:
- سآخذه معي كلما خرجت، لن أترككِ معه أبداً.
زاد هدوءها:
- أنا لست مطمئنة، حاول أن تتخلص منه أرجوك.
ضمها أكثر لصدره وهو يقول متجاهلاً جملتها الأخيرة:
- أشم رائحة جميلة، هل غسلتي ملابسك مع تلك الزهرة الفواحة مجدداً.
نظرت له بعينيها شديدتا الخضرة، بابتسامة رقيقة صادرة عن شفتين صغيرتين يكسوهما لون وردي خفيف:
- هل لاحظت؟
- نعم، ولاحظت المزيد أيضاً، تبدين كملاك حينما تكونين قلقة.
أقتربت منه حتى صارت على مسافة قريبة للغاية:
- حقاً؟
..
راح يهبط الدرجات ببطء وهو يمسك بيده المصباح الزيتي العتيق. كان يتساءل عن كيفية تعايش الصبي مع هذا الظلام الدامس، وتعجب أن كيف لم يناده! بل كيف لم يصدر منه أي صوت! لقد لاحظ صباحاً أن كمية الزيت في مصباح القبو بالقبو قليلة، لابد من أن الزيت قد نفذ بحلول الليل. فتح الباب ببطء ليجد ما بعده ظلاماً مخيفاً قد التهم كل الألوان. مد يده بالمصباح ليحارب الظلام ويعيد للألوان هيبتها.
كان أول ما لاحظه هو ذلك الشيء الذي يقف منتصباً رغم الظلام ورغم كل شيء، لا يهتز ولا يتحرك، وكأنه عامود من رخام. اقترب آرما وهو يزدرد لعابه بصعوبة. كان الصبي يقف قبالة اللوحة ويحدق بها عاقداً ساعديه على صدره، يتأملها لو صح القول. بدا كناقد فني يبحر في تفاصيل عمل فني مبهم، يتأملها بكل الصمت الموجود في العالم.
ظل آرما واقفاً بدون حراك لثانيتين من شدة دهشته. لم يفق منها سوى حينما تحرك الصبي ومد يده بريشة الرسم ليعدل تفصيلة ما في اللوحة. رسام يضع اللمسة الأخيرة على لوحته. سرت رجفة خفيفة في جسد آرما، قال بتلقائية:
- ماذا تفعل؟
- أتأمل اللوحة، نظرتي الأخيرة، يجب أن تكون اللوحة مكتملة قبل أن يراها أحد.
- في الظلام؟
لم يرد الصبي وراح يكمل تحديقه باللوحة. قال فجأة بعد أربع ثوان من الصمت:
- أترى هذا؟
أشار لجانب من اللوحة بإصبعه:
- هنا، الألوان زاهية، واضحة جداً، أريدها أكثر ظلاماً.
اقترب آرما أكثر مع ضوءه مصدر قوته، رفع المصباح أمام اللوحة ونظر للبقعة التي أشار لها الصبي، كان يشير إلى بقعة لونها أخضر في اللوحة، من المفترض أن تلك البقعة هي جزء من أرض منبسطة تكسوها بعض الحشائش. كانت الألوان متناسقة ولا يوجد بها عيب كما يقول الصبي.
- أنا لا أرى أخطاء هنا.
وتمر ثانية قبل أن يردف:
- ربما وجهة نظرك هذا هي ما تجعلك موهوباً في الرسم.
لم يرد الصبي واستمر بتحديقه في اللوحة، زفر بضيق بعد لحظات وبدا أنه قد انتهي من مرحلة التحديق باللوحة، تركها ثم مشى بضع خطوات ليصل إلى الكرسي في منتصف الغرفة. جلس قائلاً بهدوء:
- رأيتكما.
- ماذا؟
- أنت وأوليفيا اليوم، كنت هناك حينما كانت غاضبة.
يصمت آرما لثانية بشيء من الاستغراب، قبل أن يسأل:
- وماذا رأيت بالضبط؟
- إنها تكرهني، تخاف مني.
صُدم آرما لثوان ،لكنه سرعان ما استعاد وعيه:
- لا تقل هذا، إنها فقط متعجبة منك.
- إنها تحبك كثيراً.
- كيف عرفت؟
توقف الصبي للحظات وكأنه يفكر، قال بعده:
- كانت تنادي اسمك كثيراً حينما كنتما...
قاطعه آرما وهو يتوجه نحوه قائلاً:
- صه.. إياك أن تخبر أحدهم بما رأيت.
- لماذا؟ إن أوليفيا جميلة، آراها في أحلامي.
وضع آرما المصباح الزيتي أرضاً، ثم ركع على ركبتيه وهو يمد كلتا يديه لتحيطان بوجه الصبي في حنان:
- اسمع، أعرف أنك رأيت وسمعت ما لا ينبغي لك رؤيته أو سماعه، ولكن أولاً، أنهِ تلك اللوحة وأعدك أنني سأكافئك.
قال الصبي وهو ينظر لأسفل بوجه متجهم:
- لكنك لا تفهم، أنا أحب أوليفيا.
اتسعت عينا آرما وغزته دهشة ليس لها نهاية، إن الصبي على قدر عبقريته، فهو يرى ويسمع ويفهم، لديه مشاعر وأحاسيس تسبق سنه. يقول بشيء من الخبث:
- اسمع يا رونوف، إذا أنهيت اللوحة، وتمكنتُ من بيعها بسعر مرتفع، فأعتقد أنني لن أتعلم من غلطتي، وسأنسى باب غرفتنا مفتوحاً مرة أخرى، ما رأيك؟
ابتسم الصبي العبقري ببراءة ثم قال بحماس:
- موافق.
وقف آرما والتقط المصباح:
- الآن ستكمل اللوحة؟
- نعم لكن أفكر في دعوة صديقي آندريالفوس، عليه أن يرى فني ويعطيني رأيه.
أجفل آرما لوهلة ثم سرعان ما قال:
- أي صديق؟ ألديك أصدقاء؟
- نعم.
- أهو موهوب مثلك؟
- نعم.. أكثر مني بكثير.
لمعت عينا آرما على ضوء المصباح:
- أهو يتيم مثلك؟
- نعم.. تم نفيه من بيته.
- جيد! ادعه، هل سيرضى أن يعيش معك هنا؟
- لا أعرف، لكنني دعوته بالفعل، إذا وافق سيكون في طريقه إلى هنا.
- متى دعوته؟
- الآن.
- كيف؟
أغمض الصبي عينيه و قال بصوت هادئ:
- أريد أن أصحح أخطاء الرسم، اخرج.
تنهد آرما:
- ما خطب اسمك واسم صديقك بكل حال؟ لم أسمع بأي منهما في المنطقة قبلاً.
قالها ثم أخرج من جيبه قنينة بحجم كف اليد:
- أحضرت لك بعض الزيت، للمصباح.
- ضعه على الطاولة من فضلك.
تحرك آرما وعقله يكاد ينفجر من الأسئلة. ترك القنينة على الطاولة، ثم توجه ناحية الباب ليقول قبل أن يغادر:
- نوماً هنيئاً يا رونوف.
.....
- يبدو عليك القلق؟
لم ينتبه آرما إلى صوت زوجته؛ إذ كان مضطجعاً على السرير بجانبها يتجول في عالمه داخل عقله، يفكر ويبدو عليه القلق. عاد الصوت المألوف يقتحم عقله ويخرجه من شروده.
- آرما؟
انتبه آرما للصوت:
- أوليفيا.. ماذا؟
رمت أوليفيا السترة التي كانت تحيكها من يدها ثم ارتمت بدلال على زوجها وهي تتحسس عضلات صدره قائلة بخباثة:
- أحقاً ما أري! الرجل الشجاع الذي لا يهاب الأطفال غريبي الأطوار.. الفارس المغوار... خائف؟
اقترب آرما منها:
- الشخص الوحيد الذي من المفترض أن يخاف هو أنتِ.
ابتسمت بدلال:
- أنا لا أخاف، أنا شجاعة.
مدت يدها لتعبث في شعر رأسه قائلة بشرود:
- نعم شجاعة، عدا ذلك الصبي.. يجمد الدم في عروقي.
تنهدت بعدها ثم عادت وألقت برأسها على الوسادة وهي تردف:
- قلبي يؤلمني كلما فكرت به.
- هل رأيتِ اللوحة؟ أقسم بقبر الأم مريم أنها ستُحدث ثورة في الأوساط الفنية. سيأتوني من الشرق ومن الغرب، من شتى بقاع العالم!
- نحن لا نحتاج المال، عملك في الكنيسة يكفينا ويفيض.
- الأب بابادوبلوس أخبرني البارحة بقراره، سيجلب عمالاً أكثر للكنيسة، ولذلك سيخفّض الأجور.
- كيف يُعقل! إن كل من يعملون هناك يعيلون أفراداً ولديهم عائلة.
- يقول إن الرب سيعوضهم بنعيمه، لو تسمعينه وهو يقول: الرب جيّد، لن ينسى خرفانه.
- وحين أخبرك أني لا أحب الأب بابادوبلوس، تقول لي.
ثم يتغير صوتها في محاولة منها لتقليد صوت آرما:
- لا.. لا.. هو جيد.. هو جيد.
يضحك آرما:
- هو خادم للكنيسة، فقط لا غير. أفعاله كلها متمحورة حولها.
ثم يطالعها بثقة:
- حينما أصير غنياً من شهرة تلك اللوحة، سأعطي الكنيسة بعض المال، وحينها سترين كيف سيصبح بشوشاً معي.
تقول منقبضة الوجه:
- إذا... إذا عشنا لذلك اليوم.
..
- رونوف ستأتي معي إلى بيت آل ثيودروس اليوم.
قالها آرما بفم ممتلئ، نظر إلى طاولة الإفطار أمامه والمكونة من خبز طازج وجبن وبيض مسلوق وزبادي طازج، مضغ قليلاً ثم عاد يقول:
- أنت معاوني ولا تعرف شيئاً عن تلك اللوحة، لا تعرف حتى كيفية الرسم.
هز الصبي رونوف رأسه إيجاباً:
- ألهذا أخرجتني من القبو؟
- نعم.. سننطلق بعد الإفطار.
- أين أوليفيا؟
- توزع الزبادي علي زبائنها، ستعود قريباً.
- حقاً؟
توقف آرما عما يفعله ونظر نحو رونوف الصبي:
- نعم، ولماذا أكذب؟
لم يرد رونوف وأطرق برأسه وكأنما يحاول التركيز، عاد آرما للطعام بعد أن صدرت منه ضحكة خفيفة. وعم صمت على المكان، قطعه الصبي بعد ثوان حينما قال:
- لقد وصلَت.
صدرت بضع كلمات من فم آرما الممتلئ بالطعام:
- لا.. مبكر.. قليلاً بعد.
لم يكمل آخر كلمة له حتى فُتح الباب لتدخل منه أوليفيا. كانت تحمل سلة فارغة في يدها، وترتدي فستانها الذي لطالما خلبت به ألباب عقول كثيرة. وقفت قليلاً تلتقط أنفاسها وتطالعهما ببسمة ملائكية، قبل أن تترك السلة على الأرض وتتقدم نحوهما:
- تتناولان الإفطار بدوني.
قال آرما بعد أن ألقى بكوب من الماء في جوفه:
- ظننتكِ ستتأخرين أكثر من هذا، لهذا بدأنا.
بدا أن أوليفيا متوترة، ولكنها قاومت هذا التوتر وخطت نحو رونوف بتوجس، مدت يدها على شعره الناعم ثم قالت:
- لماذا لا تأكل؟
نظر لها رونوف بابتسامة كشفت أسنانه ناصعة البياض:
- لنأكل سوياً.
انعقد حاجبا أوليفيا ونظرت نحو آرما باستغراب، ابتسم آرما:
- تحدثتُ معه.
سحبت أوليفيا كرسياً ثم جلست بجانب الصبي. قال بمجرد أن جلست بجانبه:
- آسف لأنني لم آكل الطعام الذي أرسلتِه لي، والذي ما زلتِ ترسلينه، أردت أن أخبرك بالحقيقة، أنا أحب السكر ولا آكل سواه، آرما كان يحضره لي لكنه لم يرد إخباركِ.
اقترب الصبي منها وقال بصوت هامس مازحاً:
- أنه يخافكِ كثيراً.
نظرت أوليفيا ببلاهة نحو آرما الذي كان مذهولاً؛ هو لا يفهم حرفاً مما يقوله الفتي، وقد خمن إنها بالتأكيد لعبة منه كي يكسب ود أوليفيا. قال وهو يحاول أن يبدو جدياً:
- ما الذي... كيف؟ كيف لك أن تكشف سرنا بهذه البساطة؟
- لأنني مللت من السكر.
قالها ثم مد يده على الخبز الموضوع على الطاولة، ليأخذ رغيفاً يقطم منه قطعة كبيرة ليمضغها وهو ينظر لأوليفيا التي لم تفهم شيئاً مما قيل وفُعل، غير أن قلبها ارتاح بعض الشيء؛ رؤية الصبي الصغير وهو يأكل بشراهة وينافس آرما، لهو مشهد مطمئن بالنسبة لها، يقرّبه قليلاً من أرض الطباع البشرية.
راحت تسأل نفسها: كيف يمكن لهذا الوجه ناصع البياض أن يكون مخيفاً! هذا الأنف الصغير وهاتين الشفتين الصغيرتين، الشعر البني الناعم غير المرتب. فجأة، ودون أن تفكر، تهاوي سد الوجس من الصبي، ونما مكانه فوراً عاطفة أمومة جارفة، فاقتربت منه بدون أن يدري، ثم طبعت قبلة على خده، قبل أن تنضم لهما وتحاول أن تجاريهما في نهمهما بمرح، عالمة أنها ستخسر.
كانت ثوان هي التي مرت حتى وقف رونوف الصبي، ماشياً بسرعة ناحية باب المنزل ليفتحه، ويتسمّر هناك لثوان محدقاً بشيء ما بالخارج. تبعته أوليفيا تسأل:
- ماذا هنا لك؟
حينما وقفت جانبه، وطالعت ما يطالعه، رأت منظراً مهيباً، جعلها تشهق وهى تضع يدها على فمها:
- ما أجمله!
لحق آرما بهما ووقف قبالة الباب منضماً إليهما. لم يتمالك نفسه من الدهشة هو الآخر:
- من أين أتى؟
لم يرد عليه أحد، وكيف لهما أن يردا أمام ذلك الشيء الذي يسيطر على العقول! أمامهم كان المشهد، طاووس، يقف بريشه مزهواً متفاخراً، ينظر لهم بثبات وبدون خوف. تقدم آرما نحوه ومد يده في محاولة لأن يلمس ذلك الجمال المغرور أمامه، وما هي إلا صرخة رونوف الصبي توقفه عما يفعله:
- لا! لا تلمسه!
أجفل آرما ونظر ناحية الصبي الذي أكمل:
- توقف، اتركه وشأنه.
- ولماذا؟
تجاهل رونوف سؤال آرما وقال:
- ألم يتأخر الوقت؟ هيا بنا لزيارة بيت السيد ثيودوروس.
.....
تخلى آرما عن وعيه وإدراكه وهو يتابع ذلك التغيير البسيط الذي أجراه الصبي في اللوحة، ذلك المكان الأخضر الذي أشار إليه الصبي قبلاً، لقد رسم فيه قبراً صغيراً مع شاهد قبر، وكأن اللوحة بجمالها تلوثت بوجود ذلك القبر في ذلك المكان.
هي لوحة بسيطة في الأصل، بيت صغير غير واضح المعالم على التلة، أرض خضراء منبعجة نزولاً وصعوداً، بعض الأزهار هنا وهناك، كما ثمة شيء أصفر اللون ملقي على الأرض بجانب القبر، شيء لا يتبينه جيداً.
يعترف لنفسه أن اللوحة ككل رائعة الجمال. في أول مرة رآها خفق قلبه بشدة، ففي حياته البسيطة، لم يتخيل قط أنه سوف يرى منظراً بهذا الجمال، ولم يعتقد أبداً أن عيناه ستشهدان على أشياء مثل هذه على قماش رسم.
هاتف داخله يخبره كل مرة يرى فيها رسم الصبي: عبقري! رونوف عبقري بكل ما تحمله الكلمة من معاني! وهو، آرما العظيم، سيكون ذلك الشخص الذي سيتلقى كل المديح بشأن اللوحة، سيكون هو العبقري بدلاً من رونوف! راقت الفكرة له، فابتسم تلقائياً وبدون وعي منه. وقتها سمع صوتاً:
- سيادته يعتذر على جعلكما تنتظران، تفضلا من هنا.
وقف آرما واتسعت ابتسامته:
- هيا بنا يا رونوف، نحن على موعد مع التاريخ.
قالها آرما ماشياً وتبعه رونوف بصمت غريب. كان ينظر حوله ويتأمل بيت ثيودوروس المتواضع الذي يكاد يخلو من الأعمال الفنية. في العادة البشر يحبون وضع المنحوتات واللوح في كل مكان، حتى آرما بنفسه لديه عدة تماثيل ومنحوتات في أماكن من متفرقة من بيته، أما بيت النبيل فيبدو فارغاً، يبدو أنه لا يحب الفن كثيراً.
....
علا صوت ثيودوروس الثالث، فصرخ بانبهار:
- ما هذا!
ازدادت الابتسامة على وجه آرما وازدادت ثقته أضعافاً. كان يتابع ثيودوروس بنظره، ونظر له ثيودوروس بدوره:
- رائع! مذهل! أنت من رسمها؟
هز آرما رأسه إيجابه مع همهمة بسيطة وابتسامة ثقة. أردف السيد النبيل:
- هذه لا يجب أن تبقى هنا، هذه يجب أن يراها العالم.
نظر إلى آرما بعينين لامعتين:
- يجب أن تسافر إلى أثينا، وبعدها روما، العالم يجب أن يرى هذا، يجب أن يعلموا أن رائد عصر النهضة قد وُلد.
ثم طالع اللوحة لثانيتين قبل أن يقول:
- لكن قبلها سنعرض هذه اللوحة هنا لفترة من الوقت. فليعرف الناس أن هذا هو مكان ميلاد هذه التحفة الفنية!
تبادل آرما نظرة خفية مع رونوف ثم قال:
- موافق.
..
بعد أسبوع
نظرت أوليفيا من النافذة بصمت. ثوان ثم قالت:
- عاد الطاووس مجدداً، لا أفهم، من أين يأتي وأين يختفي؟!
رد عليها آرما الذي كان منشغلاً بعد القطع الذهبية على الطاولة أمامه:
- لماذا تحبين دوما إفساد اللحظات الجيدة بقلقك.
ابتعدت أوليفيا عن الستار:
- إنها المرة الرابعة التي يظهر فيها من العدم، ألست قلقاً؟
- لا، ليس مع هذه الأموال.
كان رونوف يجلس في طرف الغرفة بعيداً وهو ينظر للفراغ ساهماً، فجأة قال بصوت مسموع:
- آرما، لماذا أخلفت بوعدك معي؟
نظر له آرما بصمت، شعرت أوليفيا أنها ليست على علم بما يحدث بين رونوف وبين زوجها فقالت بانزعاج واضح:
- أي وعد؟
في هذه اللحظة سمعوا طرقات قوية على الباب، تحرك آرما ناحية الباب بصمت، فتحه ليرى أمامه غلام ممن يعملون بالكنيسة، قال الغلام:
- أرسلني الدوق، يريد مكافئتك على اللوحة.
ابتسم آرما ونسي القلق الذي كان ينتابه منذ لحظات، يبدو أنه سيقفز إلى مرحلة جديدة من الشهرة ومن الثراء. وعدَ آرما زوجته بأن يخبرها بكل شيء حينما يعود، بعدها امتطى جواده الذي اشتراه مؤخراً ثم تحرك نحو البيت الذي تُعرض فيه اللوحة.
..
لم يصدق آرما عينيه حينما رأي الجمع الغفير، الذي يحيط بالبيت الصغير. وقد كانت اللوحة تُعرض في هذا البيت على الدوام. لاحظ آرما أن العدد قدد زازعن آخر مرة. إن معظم أهل القرية يقفون في مكان واحد. تداهمه أفكاره، الحلم لا يبدو بعيداً جداً، بضعة أشهر وسيتمكن من مقابلة دافينشي، ولن يكون من مصاف الناس بعد الآن، سيعلو ويرتقي، سيغزو اليونان وأوروبا بفنه، أو بفن آرما، كلاهما واحد. لم يشعر بمثل هذا النوع من السعادة من قبل.
حينما رآه الجمع أفسحوا له الطريق وهم يرمونه بكلمات إعجاب لا تنتهي. شق حصانه الحشود كأنه مقاتل عائد من حرب ضروس، حرب قد مات كل جنودها بلا استثناء عدا هو، البطل الذي ظل واقفاً حتى النهاية. استمرت الخيالات ترغي وتزبد في رأس آرما حتى هبط من على حصانه.
أعطى لجامه لفتى يعرفه، وطلب منه أن يربطه بمنأى عن البيت، ثم قذف له عملة ذهبية كانت أكبر بكثير من أجر ما سيفعل، واستعجل نفسه كي يدخل للدوق الذي لا بد وأنه ينتظره الآن، أو هكذا فكر وهو يفتح باب الغرفة. وهناك رأى المنظر. الأب بابادوبلوس والنبيل ثيودوروس وثلاثة جنود. أول سؤال خطر ببال آرما.. أين الدوق الذي تحدث عنه الغلام؟
بدأ الأب حديثه:
- حينما رأيت اللوحة للوهلة الأولى ظننت أنها ليست من فعل بشر.
ابتسم آرما من الإطراء وأكمل الأب:
- أعني صراحةً، العقول البشرية لا يمكنها أن تكون بهذا الإبداع، ناهيك بالطبع عن صاحب الإبداع، إنه آرما الذي لم يهتم يوماً بالرسم، صحيح أنه ذكي، ولكنني لم أره يوماً مهتماً بالرسم.
هنا بدأ آرما يشعر بالقلق، لماذا يوجد جنود هنا؟
- هل أتيت بي هنا كي تقول لي هذا! أين هو الدوق؟
قال الأب بابادوبلوس وهو يهز رأسه في أسى:
- النفس البشرية جشعة للغاية، أشعر بالأسى.
- ماذا تعني بكلامك هذا؟
- أشعر بالحزن، أن أرى رجل الكنيسة يمشي وراء رغباته الدنيوية بهذه الطريقة؟ لقد تخليت عن الرب، والآن سيتخلى الرب عنك.
ثم نظر نحو آرما وضيق عينيه:
- ماذا دفعت للشيطان مقابل هذه الموهبة؟ ماذا أعطيته؟ روحك؟
انقبض وجه آرما، بدا غاضباً مندهشاً مستنكراً:
- الشيطان؟ عن أي هراء تتحدث!
- آرما بيفوروس يانيس، باسم الكنيسة، وباسم الرب، وبسبب أفعالك وتآمرك مع الشيطان، حكمنا عليك بالموت صلباً لنطهّرك من أفعالك الدنيئة.
وفجأة تقدم الجنود الثلاثة نحو آرما وكتفوه، قال آرما مستعجباً وقد زاد غضبه:
- ثمة خطأ هنا، لماذا أنت متيقن إلى ذلك الحد؟
- لا تظن أنك ستخدعني، انظر إلى اللوحة جيداً! شاهدُ القبر، ألا يذكرك بشيء؟
دقق آرما في اللوحة بحيرة شديدة يصحبها توتر وعرق قد بدأ يحتشد على جبينه. شاهد القبر يبدو عادياً له. يسأل نفسه: ما المشكلة؟
لحظات ثم تمكن من رؤية الأمر، خفق قلبه بشدة وتبدلت ملامح وجهه من دهشة إلى خوف شديد، لقد عرف الآن مدى فجاعة ما ينتظره، لسوف يقتلونه وبعدها سيحرقون أوليفيا. أدرك ببساطة أنه عليه أن يهرب من المكان وبسرعة. عليه أن يهرب قبل أن يعرف الناس خارجاً بالأمر.
- أعترف بذنبي أيها الأب، أنا الآن نادم، لدي طلب أخير.
- الرب يملك قلباً رحيماً، يعلمنا الرحمة، هات ما لديك، ماهو طلبك؟
حاول آرما أن يتقدم نحو الأب لكن منعه الجنود، قال ناظراً للأب:
- أريد أن أخبرك به وحدك.
أشار لهما الأب أن يتركاه فتركاه بتردد. لحظات بسيطة سبقت العاصفة التي قام بها آرما، فلم يمهل الجميع فرصة لفهم ما يحدث، لأنه في ثانية كان واقفاً أمامهم، وفي ثانية تليها كان قد دفع أولهم، ولكم ثانيهم، ثمفتح الباب واختفى من الغرفة.
لم يفهم الواقفون بالخارج لماذا يركض آرما بينهم بهذه السرعة، ولم يفهموا كذلك أسباب الصياح المنبعث في أثره.
كان الفتى لا يزال يمشي بحصان آرما ويفكر في مكان جيد ليربطه فيه، بحلول الوقت الذي بدأوا يدركون فيه أن الجنود يركضون في أثر آرما، ويريدون القبض عليه. وقبل أن يجتمعوا على شيء، كان آرما قد وصل إلى الفتى، وسحب منه الحصان، ثوان قليلة واختفى آرما عن الأنظار بدابته السريعة.
الهواء يلسع وجه آرما بقوة، وآرما يلهث. يفكر في خطته التالية، لن يجد الرحمة هنا؛ لا سبيل للتفاهم، لن يصدقوه أبداً. كيف لم يلاحظ الأمر منذ البداية، ألهذه الدرجة انبهر باللوحة لدرجة أنه نسي تلك التفصيلة الصغيرة، ذلك الشيء الصغير الذي حطم عالمه إلى شظايا صغيرة. سيضطر الآن للهرب مع أوليفيا، سيذهبان إلى بقعة أخرى من العالم ويعيشان حياة جديدة بما لديه من الذهب، هذا هو أفضل شيء يمكن أن يفعله الآن. تبا لك يا رونوف! أيها الغبي، لماذا كان يجب أن تضع شاهد القبر ذاك!
..
حينما وصل آرما لبيته وجد رونوف بالخارج، كان يقف مع صبي في مثل عمره، كاد أن يفتح فمه ليوبخه بشدة على غبائه ولكنه أدرك أن أوليفيا أهم. انطلق مباشرة نحو باب بيته. سمع صوت رونوف من خلفه:
- ألن تلقي السلام على صديقي، أندريالفوس؟
صرخ آرما بعصبية وبصوتٍ عال:
- اصمت أيها الوغد.
قالها ثم دلف للمنزل وراح يركض فيه بهستيريا وهو ينادي بأعلى صوت تمكن من إخراجه:
- أوليفيا!
لا رد يصله، أين ذهبت تلك المرأة؟ ثمة عصفور أصفر اللون دخل البيت، عصفور مزعج يطير فوق رأس آرما، هشه آرما بانزعاج:
- أوليفيا! أين أنتِ؟
ما من مجيب، الوقت يمر وسيصلون إلى هنا قريباً. المنزل بأكمله فارغ والعصفور لا يزال يطير حوله، هشه آرما مرة أخرى بعصبية:
- أوليفيا! بحق الإله هذا ليس وقت المزاح!
لا يزال العصفور يحلق حوله وينقره، يبدو أنه يكره آرما، أما الأخير، فهذه المرة لم يهشه، بل هوى عليه بكف يده وضربه، فارتطم العصفور بالحائط وهوى على الأرض دون حراك. خرج آرما مسرعا من المنزل واتجه ناحية رونوف الذي كان لا يزال واقفاً مع صديقه أندريالفوس، سأله بعصبية وبوجه يشتاط من الغضب:
- أوليفيا.. أين هي؟
نظر رونوف وقال بهدوء لا يعكس حدة الموقف أبداً:
- هل بحثت في القبو؟
لم يمهل آرما نفسه وقتاً وتوجه عائداً نحو المنزل، استوقفه صوت رونوف:
- احذر الدماء.
التفت آرما بدهشة حلت مكان غضبه، أكمل رونوف الصبي:
- قاومتنا كثيراً.
رد آرما بصوت مختنق:
- أي دماء؟
- ذبحناها، بعد أن انتهينا منها.
غمر الأدرينالين جسد آرما بالكامل، وفي رأسه ظهرت صورة أوليفيا وهي تحذره من الصبي، وفجأة ظهر خط من الدماء على رقبتها الرقيقة، الآن هي ميتة، وحيدة في القبو.
أوليفيا ألطف مخلوقة في العالم قد ماتت. نظر آرما نحو رونوف الذي كان يبتسم بهدوء في وجهه، تقدم نحوه بغضب وعقله لا يفكر في شيء سوى أن يسحق رأس ذلك الشيطان أمامه بكلتا يديه، أمثاله لا يستحقون أرواحهم، عليه فقط أن يقتلع قلب الصبي من مكانه، حينها ستخفت النيران التي تحرق قلب آرما.
شعر آرما بشيء يجذبه من ملابسه، لقد عاد العصفور مجدداً، يبدو منهكاً بعض الشيء إثر ضربة آرما لكنه يبدو مصمماً على الموت. لم يفكر آرما كثيراً، بل لم يفكر من الأساس، مد يده وقبض على العصفور الذي لم يسعفه جناحه المتضرر بالهرب، وبعدها لوى عنقه بقوة غاشمة ثم تركه يهوي على الأرض وعاد ينظر نحو رونوف وصديقه أندريالفوس. لكنهما لم يكونا هناك، اختفيا تماماً. هربا منه.
سقط آرما على ركبتيه وضرب الأرض بيده بقوة وعيناه تذرفان الدموع بصمت. بعد ثوان وقف آرما ثم مشى طريقه نحو المنزل وهو يهمس بكلمة واحدة. يمشي ببطء ويتكئ على الجدران لتسنده، وكأن قد شرب حد الثمالة. يمشي ويهمس بذات الكلمة.
"أوليفيا"
"أوليفيا"
"أوليفيا"
هبط درجات القبو وهبطت معها دموعه، فتح الباب وهو يتوقع أن يرى جثتها، ازداد نحيبه وخفق قلبه بقوة. القبو فارغ، لا يوجد أي آثار للدماء أو للكائنات الحية من الأساس. اختفت دموعه ورقص قلبه فرحاً، يبدو أنها خدعة قاسية من رونوف الوغد.
- هل اعتقدت حقاً أنني قتلتها، يا لك من ساذج يا آرما!
نظر آرما لمصدر الصوت خلفه ليجد رونوف وصديقه يقفان أعلي الدرج ويحدقان به. ظلا على هذه الوضعية لثوان.
- يالسخافتك!
قالها رونوف ثم مشى مبتعداً مع صديقه، تبعهما آرما صاعداً الدرج وهو يقول:
- أين هي؟
- ميتة.
وصله صوت الصبي من الخارج، فتسمر آرما مكانه على السلم، قبل أن يتحرك قائلاً:
- هذا ليس وقت المزاح، يجب أن نهرب من هنا، جميعنا.
رد صوت ثالث غليظ بعض الشيء، ولم يكن إلا صوت أندريالفوس، صديق رنوف المزعوم:
- لم تسأل نفسك؟ لماذا يوجد عصفور لونه أصفر في مكان مثل هذا؟
فيرد رونوف:
- مسكينة، كانت تريد أن تحذرك منا فقتلتها أنت.
شعر آرما بغباء شديد، فلهم يفهم ما يصل إلى مسامعه، ليس حتى أتم الدرج، وخرج من المنزل، ليس حتى رأي الجثة الملقاة بهدوء على بعد مترين من باب المنزل. ذلك الفستان الأصفر الجميل، الذي كان يحبه، ويعشق منظره على جسد أوليفيا بالتحديد. هذه البشرة البيضاء الصافية، وهذا الشعر الحريري الجميل، الذي يتناسق لونه مع لون الفستان. في البداية، قيدته حمية الاستنكار، فلم يصدق أن تلك ذلك أمامه هو جسد أوليفيا، ثم لو كانت، لا يصدق أن عنقها ملتو بهذه الطريقة البشعة، ثم لو كان، ينتقل إذن للمرحلة التالية، وهي مرحلة الأمل، التي تعني أنها ولا بد حية، فهرول ناحيتها وهو يهتف باسمها. يهزها برقة الذي يخاف أن يكسر الشيء، يناديها ودموعه في عينيه. هل كانت هي العصفور فعلاً؟! ما الذي حدث؟ ولماذا حدث؟ هل كل ذلك بسبب جشعه وادعائه أن اللوحة من صنيع يديه؟ هل هذا كسيب ما فعل؟ هل هذا الجزاء؟ فلو كان، فهل هو مُستحق؟ روح بريئة تُفقد هكذا! على يديه! لأن شيطاناً دخل بيته!
يقول رونوف وهو لا يمنع الابتسامة من على شفتيه:
- حفرت قبراً هناك.
ثم أشار بيده نحو مكان ما خلف منزل آرما. قالها ثم مشى مع صديقه أندريالفوس باتجاه ذلك المكان الذي أشار إليه، تبعهما آرما كالمنوم مغناطيسياً وهو يحمل زوجته الميتة بين يديه. راح يستمع لحديثهما الهادئ بدون أن يُبدي رد فعل. قال أندريالفوس:
- لقد استحق الأمر الانتظار.
يرد رونوف بفخر:
- ألم أخبرك؟ هذا العمل الفني أحد أفضل أعمالي.
- لكن.. كيف لم يعلم بأن البيت في اللوحة هو بيته؟
- لم يفكر بالأمر حتى، البيوت هنا كلها متشابهة.
- لقد راهنتَ على الكثير من الأشياء.
- نعم وفزت، راهنت حتى على مساعدتك لي، فلولاك لما اكتملت اللوحة، أنت من حول أوليفيا إلى عصفور.
- لن أنكر، لقد استمتعت بالأمر، لكني أسأل نفسي، ماذا يكرهنا البشر إلى هذا الحد؟ نحن لا نؤذيهم.
- ومن قال أنهم يكرهوننا؟ هم حتى لا يعلمون بوجودنا.
- من قال! أتعرف ما هي أكبر جريمة في العالم؟ أكثر شيء يكرهه بنو البشر؟ الصليب المقلوب الذي يرمز للشياطين، صدقني، هم يكرهوننا من أعماق قلبهم.
نظر أندريالفوس خلفه نحو آرما:
- سيزيد كرههم حتماً حينما يعرفون ماذا فعلنا به.
- الفن يبيح كل شيء، يمكنني أن أحرق العالم من أجل عمل فني جيد، لا تنس أنني رونوف، المعلم الأول للفن في هذا العالم.
تنهد أندريالفوس:
- لم أصدق كيف انقلبوا عليه لمجرد أنهم رأوا صليب مقلوب على شاهد القبر في اللوحة.
- أخبرتك، إنهم مجرد حمقى.
توقفا حينما وصلا لحفرة تصلح أن تكون قبراً، قال رونوف حينها موجهاً كلامه إلى آرما:
- على الأقل كان موتها سريعاً، لا تحزن.
لم يرد آرما عليه، كان بصره معلقاً بالقبر، أكمل رونوف:
- والآن يجب أن يكتمل عملي الفني، أيهما تختار، الموت السريع أم الموت اختناقاً.
لم يرد آرما للمرة الثانية، دفعه رونوف بعنف وبقوة لا يمكن أن تنتمي لأي طفل في العالم، وقع آرما مع أوليفيا في الحفرة على أثر الدفعة. قال رونوف:
- الموت البطيء إذن، لك هذا.
بعدها بدأ التراب بالانهمار على جسد آرما، لم يغمض عينيه ولم يحرك ساكناً. كان يفكر في أنه يُدفن حياً، وأنه على الأغلب يجب عليه فعل شيء ما. لا يعلم لماذا راح يضحك بجنون حينما زاره إدراك مفاجئ. نهض ونفض عنه التراب، فتوقف رونوف وأندريالفوس عن فعلهما بدفنه. رمى رونوف مجرفته قائلاً:
- ماذا الآن؟
كان آرما لا يزال يضحك حينما خرج من الحفرة. تمالك نفسه قليلاً وخرجت الكلمات بين ضحكاته:
- إذن أنت رونوف، الرسام الشيطان الذي أخبرني عنه الأب بابادوبلوس.
يرد رونوف:
- إن لم تدرك هذا سوى الآن، فأنت غبي فعلاً.
تزداد ضحكات آرما:
- لا لا.. ليس هذا... أدركت شيئاً غير ذلك. هل تعرف ماذا أخبرني عنك أيضاً؟
- ماذا؟
- أخبرني أنك تكره، بل تحتقر، أن يمد أحدهم يديه على أعمالك الفنية. لا بد أن الأمر كان صعباً عليك أن تترك اللوحة في بيت غريب، وأن تتناقلها الأيدي من هنا إلى هناك.
- بالطبع فعلت، لكنك لا تفهم. البيت في اللوحة هو بيتك، والقبر هو قبرك أنت وأوليفيا، لهذا، تُدفن أنت هنا والآن، حتى يُغلق القبر، وحتى يكتمل الفن، وبعدها، سأستعيدها بطريقتي.
سُمعت جلبة مصدرها صهيل أحصنة وضجيج أناس تبعوا آرما. يقول رونوف:
- يا لك من بشري حقير، جلبتهم إلى هنا.
يقول أندريالفوس موجهاً حديثه لرونوف:
- يجب أن نذهب.
ينظر رونوف باستحقار إلى آرما:
- نجوت وأفسدت فني، لكن لا بأس، اللوحة لا تزال جيدة، وسأفتخر بها أمام طلابي، أني جعلت رجلاً يقتل أكثر إنسانة أحبها في حياته بيديه.
ثم يبتسم ابتسامة قاسية. يقول آرما بحزن:
- رحمها الله من رؤية ما يُفعل بي، وقد عاقبني بهذا.
ثم ينظر في عيني رونوف في تحدّ:
- أما أنت، فمن يعيد لك لوحتك؟
تتسع عينا رونوف في دهشة، وهو يسمع آرما يكمل:
- كان عليك أن ترى لمعان عيني صبي الخيل بكيس النقود. كان ليوافق على أن يقتل عائلته لو طلبت، لكني طلبي كان أبسط من هذا طبعاً. كان يجب أن أستغل الجلبة ورائي وأطلب منه حرق الكوخ، وأخمن أنه قد فعل. لوحتك تحترق الآن يا رونوف.
يكاد رونوف يصرخ بكل الغضب الممكن في الدنيا، غير أن أندريالفوس يدفعه من كتفيه أرضاً، فيغوصان في الأرض سريعاً، حتي في ظرف لحظة أو أقل، لا يعود لهما وجود.
وقف آرما، وأمسك بالمجرفة، وراح ببطء، يهيل التراب على جثة الملاك الراقد في الحفرة. يهتف باسمها بينما ينهمر الدمع على خديه، يسقي التراب الذي يهيله عليها.
النهاية
...
نهاية أخرى للقصة هنا
..
ملاحظات مهمة
رونوف - ronove: حسب الأساطير رونوف هو شيطان من الشياطين الساقطة على الأرض، يعلم الفن ويعلم اللغات والبلاغة. من تعاليمه في الفن إخفاء علامات الكفر في الأعمال الفنية، فيُعلّم صانع الفن أن يضع علامات كفر مخبئة في إبداعاته الفنية.
أندريالفوس - andrealphus: في الأساطير الإغريقية هو شيطان مهتم بعلم الفلك. في العادة يظهر على شكل طاووس قبل أن يتمكن من التحول إلى بشري. لديه القدرة على تحويل الإنسان إلى عصفور. وكذلك يحمل رتبة ماركيز أعظم في العالم السفلي الخاص بالأساطير الإغريقية.
الصليب المقلوب : هو رمز للشيطان أو رمز للمسيح الدجال. في العصور الوسطى، أي شخص يرتدي صليباً معقوفاً أو يرسمه يعتبر خادماً للشيطان وتتم محاكمته وقتله فوراً.
_ القصة خيالية قلباً وقالباً كما هو واضح.

قصه غريبه وقويه سلمت يداك
ردحذفتشرفت بهذا. شكراً علي المرور اللطيف. تحياتي.
حذفما كتبته ليس مجرد قصة رعب، بل طقس فني أسود، تمارس فيه الشياطين طقوسها بفرشاة الرسام وبدم الإنسان. عملك يتجاوز حدود السرد التقليدي ليقف على تخوم الأدب الرمزي، حيث يختلط الفن بالموت، والجنون بالحب، والشيطان بالإلهام.
ردحذفأتعرف كم مرت قلت فيها وااو وأنا أقرؤها !.ههه
هذه ليست قصة عادية إطلاقاً…
بل هي مرآة للفن حين يتقاطع مع الشيطان.
إن كان الفن وسيلة لخلود الأرواح، فإن قصتك تجعل الفن وسيلة لحرقها أيضًا.
بكل وضوح: أبدعت يا براء أرفع لك القبعة كما أفعل دوما .
تحياتي .
أهلاً أختي أزيز. لا أعرف، خفت قليلاً من جملة طقس فني أسود ههه، قلت لنفسي حسناً، بكل هذا المدح، ربما تراني كشخص باع روحه للشيطان من أجل أن يكتب قصصاً بأفكار عجيبة ههه. أعجبني المدح وأشكرك عليه، هذا شرف لي فعلاً. أخاف أن يملأني هذا الكلام زهواً ههه، وكنت لأتكبر عليكِ لولا أني أعرف أنك قادرة على كتابة ما هو أفضل من هذا، وطبعاً أمزح في الشق الأول ولا أمزح في الشق الثاني... أنت فعلاً قلمك لا يقل عني في الأسلوب والكتابة، لذا، نتنظر جديدا منك.
حذفختاماً، سلمت يداك أختي أزيز.. كامل الشكر على المرور والتعليق.
تحياتي.